الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

189

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأنت بشر واحد منا . و ( إذن ) حرف جواب هي رابطة الجملة بالتي قبلها . والضلال : عدم الاهتداء إلى الطريق ، أرادوا : إنا إذن مخطئون في أمرنا . والسعر : الجنون ، يقال بضم العين وسكونها . وفسر ابن عباس السعر بالعذاب على أنه جمع سعير . وجملة أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا تعليل للاستفهام الإنكاري . و أُلْقِيَ حقيقته : رمي من اليد إلى الأرض وهو هنا مستعار لإنزال الذكر من السماء قال تعالى : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [ المزمل : 5 ] . و ( في ) للظرفية المجازية ، جعلوا تلبسهم بالضلال والجنون كتلبس المظروف بالظرف . و مِنْ بَيْنِنا حال من ضمير عَلَيْهِ ، أي كيف يلقى عليه الذكر دوننا ، يريدون أن فيهم من هو أحق منه بأن يوحى إليه حسب مدارك عقول الجهلة الذين يقيسون الأمور بمقاييس قصور أفهامهم ويحسبون أن أسباب الأثرة في العادات هي أسبابها في الحقائق . وحرف مِنْ في قوله : مِنْ بَيْنِنا بمعنى الفصل كما سماه ابن مالك وإن أباه ابن هشام أي مفصولا من بيننا كقوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [ البقرة : 220 ] . و بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ إضراب عن ما أنكروه بقولهم : أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا أي لم ينزل الذكر عليه من بيننا بل هو كذّاب فيما ادعاه ، بطر متكبر . و ( الأشر ) بكسر الشين وتخفيف الراء : اسم فاعل أشر ، إذا فرح وبطر ، والمعنى : هو معجب بنفسه مدّع ما ليس فيه . [ 26 ] [ سورة القمر ( 54 ) : آية 26 ] سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ( 26 ) مقول قول محذوف دل عليه السياق تقديره : قلنا لنذيرهم الذي دل عليه قوله : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ [ القمر : 23 ] فإن النذر تقتضي نذيرا بها وهو المناسب لقوله بعده فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ [ القمر : 27 ] وذلك مبني على أن قوله آنفا : فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ [ القمر : 25 ] كلام أجابوا به نذارة صالح إيّاهم المقدرة من قوله تعالى : كَذَّبَتْ ثَمُودُ